أثر كورونا علی عقود عمل القطاع الخاص

وجهة نظر قانونية في ضوء أحكام قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 و قانون العمل السابق رقم 71 لسنة 1987


قسم الدراسات - الوکیل




في الوقت الذي يواجه فيه العالم بشكل عام والعراق بشكل خاص أزمة فيروس كورونا بإنتشاره السريع على كافة مناحي الحياة والإجراءات التي صاحبت ذلك محدثاً تأثيراً سلبياً على سير العمل في العديد من القطاعات ومنها القطاع الخاص يقتضي طرح المعالجات القانونية لما يعرض أمام قضاء العمل العراقي من وقائع تتطلب حلولاً قانونية ملائمة عسى أن تكون وجهة نظرنا إجابات قانونية وافية على التساؤلات والإشكالات المحيطة بالموضوع .


بدايةً أنه بقراءة ومعاينة الظروف المحيطة بهذة الجائحة ، يمكن تكييفها على أنها واقعة مادية لا يستطيع الإنسان توقعها ( العامل / صاحب العمل ) ، ويستحيل دفع الضرر الناشئ عنها ، فضلاً عن أنها حادث خارجي عن إرادة الطرفين قادنا هذا التكييف القانوني إلى الإقرار بكونها قوة قاهرة تعيق تنفيذ الإلتزامات القانونية ، وهنا تثار عدة تساؤلات أهمها ما هو موقف قانون العمل العراقي من واقعة إنتشار جائحة كورونا بوصفها وباء عالمي إستعصى على العلماء لحد الساعة إيجاد دواء أو لقاح للوقاية منه ؟ ولبيان ذلك الموقف ، هنا تثار مشروعية سؤال عن أثر عدم تنفيذ الإلتزامات القانونية للعامل وصاحب العمل على العقد ، وبما أن خاصية الإلتزامات العقدية في قانون العمل هي ( تبادلية ) ، فالسؤال القانوني الدقيق مفاده : ما هو أثر جائحة كورونا على تنفيذ إلتزامات العامل وصاحب العمل ؟ وللإجابة على هذا التساؤل يقتضي بنا الرجوع إلى أحكام ومبادئ قانون العمل العراقي للوقوف على المواد القانونية التي عالجت حالة أثر القوة القاهرة على عقد العمل ، حيث نصت المادة ( 72 – أولاً ) من قانون العمل العراقي رقم ( 37 ) لسنة 2015 النافذ حالياً في جمهورية العراق الإتحادي – عدا إقليم كوردستان – علي ما يلي : إذا توقف العمل كلياً أو جزئياً نتيجة ظروف إستثنائية أو قوة قاهرة فعلى صاحب العمل دفع اجور العمال عن فترة التوقف لغاية ( 30 ) ثلاثين يوماً ولصاحب العمل تكليف العامل بعمل اخر مشابه أو بعمل اضافي غير مدفوع الاجر كتعويض عن الوقت الضائع على أن لا يزيد العمل الإضافي غير المدفوع على ( 2 ) ساعتين في اليوم و ( 30 ) ثلاثين يوماً في السنة .


من نص هذة المادة يتبن أن قانون العمل المشار إليه أعلاه قد تضمن معالجة قانونية لحالة توقف العمل بسبب الظرف الإستثنائي أو القوة القاهرة وألزم من خلالها صاحب العمل بدفع اجور العمال لغاية 30 ثلاثين يوماً فقط ، وفي حال إستمرت مدة التوقف أكثر من المدة المنصوص عليها فأن صاحب العمل غير ملزم بدفع اجور العمال طيلة فترة التوقف .


أما بالنسبة للأثر القانوني للجائحة المترتب على عقد العمل من حيث فسخه أو إنفساخه أو تمديده بحكم القانون فقد تضمن أيضاً قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 معالجة قانونية لهذة الحالة حيث نصت المادة ( 43 – أولاً ) على الحالات التي ينتهي بموجبها عقد العمل والتي وردت على سبيل الحصر بفقراتهــا ( أ إلى ط ) ، فقد نصت الفقرة ( ط ) من المادة المذكورة على عد حالة القوة القاهرة بإعتبارها إحدى الحالات التي ينتهي بموجبها عقد العمل ، عليه لطالما إستمرت حالة التوقف بعد إنتهاء مدة ثلاثين يوماً فسوف تجد الفقرة ( ط ) محلها في التطبيق ، هذا من حيث الأصل الوارد ضمن أحكام هذا القانون .


وهنا لدينا رأي وفقاً لتصورنا القانوني وقناعتنا بصدد ما ذهبت إليه المادة ( 43 بفقرتها ط ) يتمثل بإمكانية إيقاف عقد العمل المبرم بين الطرفين ( بشكل مؤقت ) وإعادة العمل به بعد إنتهاء القوة القاهرة طبقاً لما تقتضيه أحكام العدالة والإنصاف بين الطرفين ( العامل و صاحب العمل ) تجاوزاً لهذا النص القانوني المجحف .


أما بالنسبة – لإقليم كوردستان – العراق فأن الموقف نوعاً ما يختلف بسبب أن القانون الذي لايزال نافذاً ومعمولاً به حالياً في الإقليم هو قانون العمل العراقي السابق رقم ( 71 ) لسنة 1987 والتعديلات التي طرأت على هذا القانون وتحديداً لغاية تأريخ 23/10/1991 ، وذلك حسب قرار برلمان الإقليم المرقم 11 فــــي 31/08/1992 والذي ينص على : ( عدم العمل بالقرارات والقوانين التي أصدرتها السلطة المركزية بعد سحب الإدارات في 23/10/1991 إلا بعد إصدار قانون أو قرار من برلمان الإقليم بإنفاذها ) ، عليه فأن قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 غير معمول به حالياً في إقليم كوردستان – العراق وأيضاً غير معمول في الإقليم بالتعديلات التي سبق وأن طرأت على قانون العمل السابق رقم 71 لسنة 1987 بعد تاريخ سحب الإدارات من قبل الحكومة المركزية من إقليم كوردستان العراق في 23/10/1991 ، عليه ولغرض بيان المعالجة القانونية المعمول بها في الإقليم جاءت المادة ( 65 – أولاً ) بنفس حكم المـــادة ( 72 – أولاً ) من قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 من حيث دفع اجور العمال عن فترة التوقف وفقاً للتفاصيل المشار إليها أنفاً .


وعلى الرغم من صدور تعديل على المادة ( 65 ) بموجب القانون رقم 17 لسنة 2000 والذي يعتبر التعديل الثاني لقانون العمل رقم 71 لسنة 1987 ، حيث وبموجب المادة ( 7 ) من هذا التعديل تم إستبدال النص الأصلي للبند (أولاً) من المادة 65 وألزم التعديل صاحب العمل بدفع اجور العامل عن مدة التوقف بما لا يزيد على ( 60 ) ستين يوماً ، لكن هذا التعديل غير نافذ في الإقليم لصدوره سنة 2000 ( أي بعد تاريخ سحب الإدارات في 23/10/1991 ) ، حيث تم إيراد مناسبة هذا التعديل هنا كمعلومة إضافية للإطلاع عليها لا سيما ذوي الإختصاص ، ومرد ذلك إلى التلازم الموضوعي إلى جانب ضرورة الإطلاع على التطور التأريخي للأحكام .

أما بالنسبة للأثر القانوني للجائحة المترتب على عقد العمل من حيث فسخه أو إنفساخه أو تمديده بحكم القانون ، فأن القانون السابق رقم 71 لسنة 1987 لم يتضمن نصاً يعالج حالة كهذة في حالة إستمرت مدة التوقف أكثر من ثلاثين يوماً عكس ما وجدناه في قانون العمل الجديد رقم 37 لسنة 2015 ، عليه فلعل الحل والحالة هذة وفقاً لتصورنا القانوني يكمن في الإحتكام والرجوع إلى ( مبادئ العدالة والإنصاف ) لكلا الطرفين العامل وصاحب العمل من خلال الأخذ بأقرب الحلول لموضوع واحد مع الإعتداد دائماً بالجانب الإنساني وكذلك الظروف الشخصية التي تحيط بالفرد في كل حالة وضرورة التأكيد على المبادئ التي تنص عليها دساتير دول العالم من أن العمل حق لكل مواطن بما يضمن له حياة كريمة ، وأن الدول تسعى على الدوام إلى توفير أوسع الضمانات الإجتماعية وأن الإحتكام إلى مبادئ العدالة بوصفها احد المبادئ العامة للقانون بهدف تمكين القاضي من الفصل في النزاع القانوني المعروض أمامه في حال عدم العثور على القاعدة واجبة التطبيق على النزاع وإلا يعد الأخير مرتكباً لجريمة إنكار العدالة ، عليه ووفقاً لما تقدم ووفقاً لتصورنا القانوني وقناعتنا فأن أحكام العدالة لطرفي العقد تقتضي إيقاف عقد العمل ( بشكل مؤقت ) وإعادة العمل به بعد إنتهاء القوة القاهرة وبهذا لا يكون صاحب العمل ملزماً بدفع اجور العمال طيلة فترة التوقف التي تزيد عن المدة المشار إليها .





17/05/2020


CONTACT

  • Black Facebook Icon
  • Black LinkedIn Icon

© 2019 Al Wakeel Law Firm